صديق الحسيني القنوجي البخاري
220
فتح البيان في مقاصد القرآن
أضلوا ومعنى إِلَّا ضَلالًا إلا عذابا كذا قال ابن بحر واستدل على ذلك بقوله : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ [ القمر : 47 ] وقيل إلا خسرانا ، وقيل إلا فتنة بالمال والولد ، وقيل الضياع وقيل ضلالا في مكرهم ، وهذا دعاء عليهم من نوح بعد أن أعلمه اللّه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن . مِمَّا ما مزيدة للتأكيد والمعنى من خَطِيئاتِهِمْ قرأ الجمهور على جمع السلامة وهي سبعية وقرىء خطاياهم على جمع التكسير وخطيئتهم على الإفراد والمعنى من أجلها وبسببها أُغْرِقُوا بالطوفان قرأ الجمهور من أغرق وقرىء غرقوا بالتشديد . فَأُدْخِلُوا عقب الإغراق ناراً وهي نار الآخرة ، وهذا من التعبير عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه نحو أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] وقيل عذاب القبر ، وعلى هذا هو على بابه كقوله في آل فرعون النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا [ غافر : 46 ] فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً أي لم يجدوا أحدا يمنعهم من عذاب اللّه ويدفعه عنهم . وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً يعني لما أيس نوح عليه السلام من إيمانهم وإقلاعهم عن الكفر ، دعا عليهم بالهلاك ، قال قتادة دعا عليهم بعد أن أوحي إليه أنه لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [ هود : 36 ] فأجاب اللّه دعوته وأغرقهم ، وقال محمد بن كعب ومقاتل والربيع بن أنس وابن زيد وعطية : إنما قال هذا حين أخرج اللّه كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم ، وأعقم أرحام النساء وأصلاب الآباء قبل العذاب بسبعين سنة ، وقيل بأربعين ، قال قتادة : لم يكن فيهم صبي وقت العذاب وقال الحسن وأبو العالية : لو أهلك اللّه أطفالهم معهم كان عذابا من اللّه وعدلا فيهم ، ولكن أهلك ذريتهم وأطفالهم بغير عذاب ثم أهلكهم بالعذاب . ومعنى دَيَّاراً من يسكن الديار ويدور في الأرض وأصله ديوار على فيعال من دار يدور فقلبت الواو ياء وأدغمت إحداهما في الأخرى مثل القيام أصله قيوام ، وقال القتيبي أصله من الدار أي نازل بالدار يقال ما بالدار ديار وديور أي أحد كقيام وقيوم ، وهو من الأسماء المستعملة في النفي العام ، وقيل الديار صاحب الديار ، والمعنى لا تدع أحدا منهم إلا أهلكته ، وقيل هو مأخوذ من الدوران وهو التحرك . قال سليمان الجمل : انظر ما الحكمة في تأخيره عن قوله : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا مع أن مقتضى الظاهر تقديمه عليه لكونه سببا لإغراقهم ، تأمل ، ثم رأيت ، أبا السعود قال : هذا عطف على نظيره السابق وقوله : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ اعتراض وسط بين دعائه عليه السلام للإيذان من أول الأمر بأن ما أصابهم من الإغراق والإحراق لم